الرئيسية / مقالات / أعراس مرقّطة

أعراس مرقّطة

OmarQadUr01لا نعرف الكثير عن تلك الصورة التي تداولتها وسائل الاتصال الاجتماعي، وتجمع عروسين يلبسان الثياب المرقّطة في حفل زفافهما. العريس الشاب يلبس البذلة العسكرية كما هي معروفة في قوات النظام السوري، أما العروس فخاطت من القماش نفسه ثوباً على هيئة أثواب الزفاف المعهودة، متخلّية عن الأقمشة الرقيقة التي تُستخدم فيها وعن اللون الأبيض التقليدي.

خبر الزفاف المرقط ليس مفاجئاً تماماً، وإن كان ملفتاً للانتباه، فحُمّى تقديس ما هو عسكري اجتاحت المناطق الموالية للنظام، وفي أكثر من مناسبة صُنعت تماثيل أو مجسمات للبسطار أو البوط العسكري، وفي مسيرات مؤيدة رُفع فوق الرؤوس كناية عن الإجلال الذي بات يحظى به. مع ذلك كنا لنفترض بالزفاف حميميةً وشأناً عائلياً ينأ عن مألوف تلك الرمزيات الموالية؛ ربما على سبيل المثال لو اقتصر أمر الثياب المرقطة على العريس لبدا الأمر معقولاً أكثر وقلنا إنه عسكري بالأصل واختار بنوع من المغالاة أن يفتتح حياته الجديدة بزيّه الرسمي، على الرغم من أننا لا نعرف أيضاً مهنة العروس فربما كانت هي الأخرى منضوية في الجيش، أو انضوت مؤخراً في ميليشيات النساء التي تساند النظام تحت مسمّى “الدفاع الوطني”.

الدلالة لا تتوقف عند ثياب الزفاف، فنشر صورة الزفّة هو رسالة مكمّلة للدلالة الأولى، حيث يسير وراء العروسين رجال ملتحون يرتدون الثياب المرقطة أيضاً ومدجّجون بالسلاح، بينما تصفق النساء في الخلف، وهن يرتدين أثواب الفرح الزاهية المعتادة. لقد أقام النظام قبل أشهر حفلة زفاف جماعي برعايته لخمسة عشر عسكرياً ظهروا في الزفاف ببزاتهم الرسمية، بينما أبقت الفتيات على فساتين الزفاف البيضاء، وقُدّم ذلك الزفاف الجماعي على أنه دعم للنظام ضد “إرهاب” المعارضة. الزفاف المرقّط الأخير يزايد على التظاهرة الرسمية، وقد يستهوي مزاج النظام نفسه أكثر منها لأنه استبطن تطرفاً غير مسبوق يقدّمه بالدرجة الأولى لمجتمع الموالاة.

قد ينضم تسجيل الزفاف المرقط إلى تسجيلات أخرى منتشرة على اليوتيوب، حيث بوسع أي متصفح مشاهدة حفلات زفاف لأناس لا يعرف عنهم شيئاً، وبوسعه أيضاً معرفة عدد المشاهَدات السابقة التي قد تصل إلى الآلاف لحفلاتٍ أصحابُها ليسوا من المشاهير. قبل انتشار الإنترنت واليوتيوب كان بعض محلات التسجيلات في دمشق مثلاً يتكفل بالمهمة ذاتها، حيث وأنت مارّ من منطقة “الحجاز” أو من “البحصة” بوسعك مشاهدة الأكشاك تبث على شاشات موجهة إلى الشارع حفلات زفاف لا يُعرف أصحابها، وتُظهر على نحو خاص نساء يلبسن ثياباً قصيرة ويرقصن أو يشاركن في الدبكة. التعويل في عملية بيع أقراص الـ CD تلك كان ينصب على المخيال الأيروتيكي للمراهقين من أبناء الشرائح الاجتماعية المحافظة، وبالدرجة الأولى على الشبان الصغار المجندين الآتين من مناطق نائية، والذين يقضون أوقات مغادرتهم لثكناتهم في التسكع في مناطق محدودة جداً من سنتر المدينة.

غير أن عسكرة حفلات الزفاف ليست شأناً سورياً مستجداً تماماً، فمنذ ثمانينات القرن الماضي بدأت الصالات المخصصة للزفاف بوضع صورة الرئيس في صدارة الصالة حيث المنصة التي يجلس عليها العروسان، وبما أن قسماً كبيراً من الصور والانتباه سيتركز عليهما فالرئيس سيكون حاضراً غالبية الوقت. في المهرجانات الرسمية أيضاً بدأت صورة الرئيس تغزو المنصات، ولعل أشهرها صورته على مسرح بصرى، ومن الحفلات التي كان التلفزيون الرسمي لا يكلّ عن إعادتها حفلة فيروز هناك العام 1985، وكان واضحاً حرص كاميرا التلفزيون على التقاط صورة الرئيس خلف فيروز طوال الوقت ومن كل الاتجاهات.

في الفترة ذاتها، وفي غالبية المناطق حين لم يكن قد وجد التقسيم الحالي بين مناطق موالية وأخرى ثائرة، صار متمماً لبهرجة الأعراس أن يُدعى إليها ضباط من الجيش والأمن، مع الغلبة التامة لضباط الأمن، وراح الضباط يحظون بالمكانة الاجتماعية التي كانت سابقاً لوجهاء تقليديين أو لمسؤولين مدنيين كبار. تقليد كسر فنجان القهوة المرة بعد أن يرتشف منه شخص مهم لم يتغير، لكنه صار يختص بالشخصيات الأمنية لأنه لا يجوز أن يشرب أحد من الفنجان نفسه الذي شرّفه ضابطٌ في المخابرات وأحياناً مساعد لا أكثر. المغنّي يقطع أغنيته محيّياً تلك الشخصية إذا دخلت في أثنائها، فلا يندر أن ترى أو تسمع تسجيلاً على النحو التالي: (مريم مريمتي عيني مريَمَه… وأطيب تحية لبوعلي رئيس مفرزة الأمن السياسي… والقلب مجروح بدّو مَرْهَما). ثمة أغانٍ تُظهر مفارقة كبيرة مع صورة الراقصين، كأن ترى مجموعة من الشباب والصبايا يرقصون على وقع أغنية تقول: (الله ويا الله ويا الله تنصر حسن نصرالله.. ويا الله ويا جبار تحمي الدكتور بشار).

إرسال التحيات عبر الميكرفون وسيلة أخرى للتنافس، وإذا حضر عدد كبير من الضباط والشخصيات الأمنية فإن التحيات تنقلب إلى ميدان للمصارعة، ويقع عرّيف الحفل أو المغني في ورطة كبرى، لأنه لا يستطيع رفض إلقاء التحية من نوع “ألف سلام لبوعلي رئيس رئيس مفرزة الأمن السياسي”، فيأتي شخص ليوشوشه طالباً منه التحية التالية: “مليون سلام للمقدَّم بوجعفر رئيس مفرزة الأمن العسكري”. الورطة لا تقتصر على صاحب الميكرفون فأصحاب الزفاف يقعون في مأزق أيضاً نتيجة التنافس الذي قد ينقلب إلى اشتباكات وربما إطلاق أعيرة نارية تفسد العرس؛ عبقرية الحل لا يُعرف من ابتدعها أولاً، وكانت تنص على أن يأخذ أحدٌ الميكرفون ويقول: “ألف مليون سلام وسلام لسيادة الرئيس.. وبعده ما في سلام وكلام”.

عمر قدور

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى